الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
59
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفي مادة النفح أنه عطاء قليل نزر ، وبضميمة بناء المرة فيها ، والتنكير ، وإسناد المسّ إليها دون فعل آخر أربع مبالغات في التقليل ، فما ظنك بعذاب يدفع قليله من حلّ به إلى الإقرار باستحقاقه إياه وإنشاء تعجبه من سوء حال نفسه . والويل تقدم عند قوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ في [ سورة البقرة : 79 ] ، وعند قوله تعالى : وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ في أول [ سورة إبراهيم : 2 ] . ومعنى إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ إنا كنا معتدين على أنفسنا إذ أعرضنا عن التأمل في صدق دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم . فالظلم في هذه الآية مراد به الإشراك لأن إشراكهم معروف لديهم فليس مما يعرفونه إذا مستهم نفحة من العذاب . [ 47 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 47 ] وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ( 47 ) يجوز أن تكون الواو عاطفة هذه الجملة على جملة وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ [ الأنبياء : 46 ] إلخ لمناسبة قولهم إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ [ الأنبياء : 46 ] ، ولبيان أنهم مجازون على جميع ما أسلفوه من الكفر وتكذيب الرسول بيانا بطريق ذكر العموم بعد الخصوص في المجازين ، فشابه التذييل من أجل عموم قوله تعالى فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، وفي المجازى عليه من أجل قوله تعالى وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها . ويجوز أن تكون الواو للحال من قوله رَبِّكَ [ الأنبياء : 46 ] ، وتكون نون المتكلم المعظّم التفاتا لمناسبة الجزاء للأعمال كما يقال : أدّى إليه الكيل صاعا بصاع ، ولذلك فرع عليه قوله تعالى : فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً . ويجوز أن تكون الجملة معترضة وتكون الواو اعتراضية . والوضع حقيقته : حط الشيء ونصبه في مكان ، وهو ضد الرفع . ويطلق على صنع الشيء وتعيينه للعمل به وهو في ذلك مجاز . والميزان : اسم آلة الوزن . وله كيفيات كثيرة تختلف باختلاف العوائد ، وهي تتّحد في كونها ذات طبقين متعادلين في الثقل يسميان كفتين - بكسر الكاف وتشديد الفاء - تكونان من خشب أو من حديد ، وإذا كانتا من صفر سميتا صنجتين - بصاد مفتوحة ونون ساكنة - ، معلق كل طبق بخيوط في طرف يجمعهما عود من حديد أو خشب صلب ، في